رمضان خميس الغريب
210
الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )
هي إلا لحظات يجد فيها مس القرآن الكريم يتنزل على فؤاده حتى يلقى نفسه بين يديه منقادا إليه ، وللّه در حافظ إذ يصور هذه الحال في نفس الفاروق عمر بقوله : خرجت تبغى أذاها في محمدها * وللحنيفة جبار يواليها فلم تكد تسمع الآيات إذ نزلت * حتى انكفأت تناوى من يتاويها سمعت سورة طه من مرتلها * فزلزت نية قد كنت تنويها وقلت فيها مقالا لا يطاوله * قول المحب الذي قد بات يطريها « 1 » وقد استطاع الشيخ الغزالي أن يضع بعض الأسس والملامح للإعجاز النفسي في القرآن الكريم كالتالى . أولا : مخاطبة كل نفس على حدة : فالقرآن الكريم خاطب نفوس البشر أجمعين خطابا يستشعر به كل واحدة فيها أن الخطاب لها خاصة وأنه اقتحم عليها أغوار نفسها وتسلل إلى جنباتها كأنه يعرف مسالكها ودروبها ومنحنياتها ومتعلقاتها وما يصلحها وما يفسدها فكأنه لها وحدها لا لغيرها وفي هذا المعنى يقول الشيخ الغزالي ( ما أكثر ما يفر المرء من نفسه وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة المادية هائمين على وجوههم ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب . . . إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعا وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق وزلة كمل ذي ذلل ثم تكفل بإزاحتها كلها كما يعرف الراعي أين تاهت خرافه فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منها وذلك سر قوله عز
--> ( 1 ) أنظر العمرية ص 18 .